السيد كمال الحيدري

19

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

الشامل للاصطلاحيّ والناظر لغيره بالاستعمال ؛ من قبيل : طلب العلم عبادةٌ ، والنصيحة عبادةٌ ، والعمل على تحسين الأخلاق عبادةٌ ، والنظر إلى الكعبة عبادةٌ ، والنظر لوجه أمير المؤمنين عليٍّ ولوجه المؤمن ولوجه العالم عبادةٌ ، بل مجالسة العالم عبادةٌ ، وكلّ عملٍ قُصد به وجه الله فهو عبادةٌ وإن كان عملًا حرفيّاً . إذا اتّضح ذلك فاعلم أنّ سلّم الكمالات الإلهيّة - الذي يدور حول نقطةٍ مركزيّةٍ ، وهي : نيل القرب من الله تعالى - شاملٌ للعبادات الخاصّة والعامّة معاً ، ولا يعلم تحديداً أيّ القسمين أكثر تأثيراً في تحقيق أكبر قدرٍ ممكنٍ من القرب ؛ بيد أنّ القدر المتيقّن هو أنّ العبادات الخاصّة شرطٌ في قبول وتحقيق آثار العبادات العامّة ، وهذان القسمان لشدّة ارتباطهما - لاسيّما قسم الخاصّة منهما - بسلّم الكمالات الإلهيّة في نيل القرب من الله تعالى فإنّه أصبح لهما بمثابة اللازم الذاتيّ أو الصفة العينيّة ؛ فلا تكاد أن تفصل بين العبادة والسلّميّة . وهذا الاندكاك هو الأنسب لطبيعة وفلسفة الكمالات الإلهيّة القائمة على أصلٍ ثابتٍ ، وهو عدم الثبات نفسه ، « فالإنسان مطلقاً إمّا في ارتفاعٍ أو في انحدارٍ ، فلسفةٌ خلت أبجديّتها من التوقّف على كمالٍ ما ؛ فالمقيم للصلاة في حالة ارتقاءٍ دائمة ، والتارك لها في حالة انحدارٍ دائمة ، وإن كان معذوراً في الترك ، وهذه الصفة لا تقتصر على الأمر الواجب فعلًا والمحرّم تركاً في صورة الإيجاب ، ولا في العكس سلباً ، وإنّما تشمل كلّ تفصيلات الشريعة ، فتدخل المستحبّات والمكروهات معاً ، بل لا يبعد دخول المباحات أيضاً ؛ فإنّ المباحات لا تمثّل صورةً عبثيّةً ، وإنّما هي حلقةٌ في سلّم التكامل » « 1 » .

--> ( 1 ) الدعاء ؛ إشراقاته ومعطياته ، من أبحاث المرجع الدينيّ السيّد كمال الحيدريّ : ص 142 .